فصل: استيلاء علاء الدين ثانياً على غزنة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء علاء الدين ثانياً على غزنة

ثم انتزاع الذر إياها من يده قد تقدم لنا استيلاء الذر على غزنة وإخراجه علاء الدين وجلال الدين منها باميان فأقاما بها شهرين ولحق كثير من الجند بعلاء الدين صاحبهم وأقام الذر بغزنة متوقفاً عن الخطبة لغياث الدين يروم الإستبداد وهو يعلل الأتراك برجوع رسوله من عند غياث الدين مخافة أن ينفضوا عنه‏.‏فلما ظفر بعلاء الدين وملك القلعة أظهر الأسف وجلس على الكرسي‏.‏وجمع علاء الدين وجلال الدين العساكر وساروا من باميان إلى غزنة وسرح الذر عساكره للقائهما فهزماها وأثخناها‏.‏وهرب الذر إلى بلد كرمان واتبعه بعض العسكر فقاتلهم ودفعهم‏.‏وسار علاء الدين وأخوه إلى غزنة وملكوها وأخذوا خزانة شهاب الدين التي كان الذر أخذها من يد الوزير مؤيد الدين عند مقدمه بجنازة شهاب الدين إلى كرمان كما مر‏.‏ثم اعتزم علاء الدين وأخوه على العود إلى غزنة وأهلها متوقعون النهب من عسكرهم والفيء‏.‏وكان بينهم رسول الخليفة مجد الدين بن الربيع مدرس النظامية جاء إلى شهاب الدين فقتل وهو عنده وأقام بغزنة فقصده أهل غزنة يشفع فيهم فشفع وسكن الناس‏.‏وعاد علاء الدين وأخوه إلى غزنة‏.‏ثم وقع بينهما تشاجر على إقتسام الخزانة وعلى وزارة مؤيد الملك فندم الناس على طاعتهما‏.‏وسار جلال الدين ومعه عباس إلى باميان وبقي علاء الدولة بغزنة وأساء وزيره السيرة في الجند والرعية ونهب الأموال حتى باعوا أمهات أولادهم‏.‏ويشكون فلا يشكيهم أحد فسار في جموع الأتراك والغز والغورية فكبسهم آيدكن الشرفي مولى شهاب الدين في ألفين وملك كرمان‏.‏وجاء الذر أثر ذلك وأنكر على آيدكن وملك كرمان وأحسن إلى أهلها‏.‏وبلغ الخبر إلى علاء الدين بغزنة فبعث وزيره إلى أخيه جلال الدين في باميان وكانت عساكر الغورية قد فارقوه ولحقوا بغياث الدين ووصل الذر آخر سنة إثنتين وستمائة إلى غزنة فملكها وامتنع علاء الدين بالقلعة فسكن الذر الناس وأمنهم وحاصروا القلعة‏.‏وجاء الخبر إلى الذر بأن جلال الدين قادم عليك بعساكره ولحق سليمان بن بشير بغياث الدين ببيروزكوه فأكرمه وجعله أمير داره وذلك في صفر سنة ثلاث‏.‏وسار الذر فلقي جلال الدين وهزمه وسيق أسيراً إليه‏.‏ورجع إلى غزنة وتهدده علاء الدين بقتل الأسرى إن لم يسلم القلعة‏.‏وقتل منهم أربعمائة أسير فبعث علاء الدين يستأمنه فأمنه‏.‏ولما خرج قبض على وزيره عماد الملك وقتله وبعث إلى غياث الدين بالفتح‏.‏انتقاض عباس في باميان ثم رجوعه إلي الطاعة لما أسر علاء الدين وجلال الدين كما قلناه في غزنة وصل الخبر إلى عمهما عباس في باميان ومعه وزير أبيهما‏.‏وسار الوزير إلى خوارزم شاه يستنجده على الذر ليخلص صاحبيه فاغتنم عباس غيبته وملك القلعة وكان مطاعاً‏.‏وأخرج أصحاب علاء الدين وجلال الدين فرجع الوزير من طريقه فحاصره بالقلعة وكان مطاعاً في تلك الممالك من لدن بهاء الدين ومن بعده فلما خلص جلال الدين من أسر الذر وصل إلى مدينة باميان واجتمع مع الوزير وبعثوا إلى عباس ولاطفوه حتى نزل عما كان استولي عليه من القلاع وقال إنما أردت حفظها من خوارزم شاه‏.‏

  استيلاء خوارزم شاه على ترمذ ثم الطالقان من يد الغورية وبها ابنه

وقدم إليه محمد بن بشير بما كان من نزول أبيه عن بلخ وأنه انتظم في أهل دولته وبعثه إلى خوارزم مكرماً ورغبه بالإقطاع والمواعيد وكان قد ضاق ذرعه من الخطا ووهن من أسر الذر أصحابه بغزنة فأطاع واستأمن‏.‏وملك خوارزم شاه ترمذ ورأى أن يسلمها للخطا ليتمكن بذلك من خراسان ثم يعود عليهم فينتزعها منهم‏.‏ولما فرغ من ذلك سار إلى الطالقان وبها سونج نائباً عن غياث الدين محمود وأرسل من يستميله فلج وسار الحربه حتى إذا إلتقيا نزل عن فرسه وسأل العفو فذمه بذلك وأخذ ما كان بالطاقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كاكوين وسوار فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي صاحب كاكوين وقاتله وطالبه في تسليم البلاد فأبى‏.‏وسار خوارزم شاه هراة ونزل بظاهرها وابن حرميل في طاعته فكف عساكره عن أهل هراة ولقيه هنالك رسول غياث الدين بالهدايا‏.‏ثم سار ابن حرميل إلى أسفرايين في صفر وقد كان صاحبها سار إلى غياث الدين فحاصرها حتى استأمن إليه وملك البلد‏.‏ثم أرسل إلى صاحب سجستان بطاعة خوارزم والخطبة له فأجاب إلى ذلك بعد أن طلبه في ذلك غياث الدين فامتنع‏.‏وعند مقام خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن حرميل أخرجه منها فلحق بشهاب الدين‏.‏ثم رجع من عنده إلى خوارزم شاه فسعي به ابن حرميل عنده حتى سجنه بقلعة زوزن وولي على القضاء بهراة خبر غياث الدين مع الذر وآيبك مولي أبيه لما ملك الذر غزنة وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين كتب إليه غياث الدين يأمره بالخطبه وطاول في ذلك فبعث إليه يستحثه بأمر الخطيب بالترحم على شهاب الدين والخطبة لنفسه فاستراب الأتراك به وبعث هو يشترط على غياث الدين العتق فأجابه ذلك بعد توقف‏.‏وكان عزمه على أن يصالح خوارزم شاه ويستمده على الذر فلما طلب العتق أعتقه وأعتق قطب الدين آيبك مملوك عمه شهاب الدين ونائبه ببلاد الهند وأرسل إلى كل منهما هدية ورد الخبر واستمر الذر على مراوغته وآيبك على طاعته فاستمد غياث الدين س شاه على الذر فأمده على أن يرد ابن حرميل صاحب إلى طاعته وأن يقسم الغنيمة أثلاثاً بينهما وبين العسكر‏.‏وبلغ الخبر إلى الذر فسار إلى بكتاباد فملكها ثم إلى بست وأعمالها كذلك وقطع خطبة غياث الدين منها وأرسل إلى صاحب سجستان بقطع خطبة خوارزم شاه وإلى ابن حرميل كذلك ويتهددهما وأطلق جلال الدين صاحب باميان وزوجه بنته وبعث معه خمسة آلاف فارس من آيدكين مملوك شهاب الدين ليعيدوا جلال الدين إلى ملكه بباميان‏.‏وينزلوا ابن عمه فلما سار معه آيدكين أغراه بالعود إلى غزنة وأعد الأتراك مجمعون على خلاف الذر فلم يجبه جلال الدين إلى ذلك فرجع عنه آيدكين إلى إقطاعه بكابل ولقيه رسول من قطب الدين آيبك إلى الذر يتهدده على عصيانه على غياث الدين ويأمره بالخطبة له ووصل معه الهدايا والألطاف إلى غياث الدين وأشار عليه آيبك بإجابة خوارزم إلى جميع ما طلب حتى يفرغ من أمر غزنة‏.‏وكتب إلى آيبك يستأذنه في المسير إلى غزنة ومحاربة الذر فأذن له بمحاربته ووصل آيدكين في رجب سنة ثلاث وخطب لغياث الدين بغزنة وامتنعت عليه القلعة فنهب البلد ووصل الخبر إلى الذر بشأن آيدكين في غزنة ومراسلة آيبك له ففت ذلك في عضده وخطب لغياث الدين في بكتاباد وأسقط اسمه ورحل إلى غزنة فرحل آيدكين عنها إلى بلد الغور وأقام في تمواز وكتب إلى غياث الدين بالخبر وأنفذ إليه أموالاً فبعث إليه غياث الدين بالخلع وأعتقه وخاطبه بملك الأمراء‏.‏وسار غياث الدين إلى بست وأعمالها فاستردها وأحسن إلى أهلها وأقام الذر بغزنة‏.‏

  مقتل ابن حرميل واستيلاء خوارزم شاه على هراة

كان ابن حرميل كما قدمناه استدعى عسكر خوارزم شاه إلى هراة وأنزلهم معه بهراة فساء أمرهم في الناس وكثر عيثهم فحبسهم وبعث إلى خوارزم شاه بصنيعهم ويعدده وكان مشتغلاً بقتال الخطا فكتب إليه يحسن فعله ويستدعي الجند الذين حبسهم‏.‏وبعث إلى عز الدين خلدك أن يحتال في القبض على ابن حرميل فسار في ألفي فارس وكان خلدك أيام السلطان سنجر والياً على هراة فلما قدم خرج ابن حرميل لتلقيه فنزل كل واحد منهما إلى صاحبه وأمر خلدك أصحابه بالقبض على ابن حرميل فقبضوا عليه‏.‏وانفض عنه أصحابه إلى المدينة فأمر الوزير خواجة الصاحب بغلق الأبواب والإستعداد للحصار ونادى بشعار غياث الدين محمود فحاصره خلدك وبذل له الأمان وتهدده بقتل ابن حرميل وخاطبه بذلك ابن حرميل ففعل وكتب بالخبر إلى خوارزم شاه فبعث ولاته بخراسان يأمرهم بحصار هراة فساروا في عشرة آلاف وامتنعت هراة عليهم‏.‏وكان ابن حرميل قد حصنها بأربعة أسوار محكمة وخندق وشحنها بالميرة وصار يعدهم إلى حضور خوارزم شاه وأسروه أياماً حتى فادى نفسه ورجع إلى خوارزم كما يذكر في أخبار دولته‏.‏وأرجف بموته في خراسان فطمع أخوه علي شاه في طبرستان وكزل خان في نيسابور إلى الإستبداد بالملك فلما وصل خوارزم شاه هرب أخوه علي شاه ولحق بشهاب الدين في بيروزكوه فتلقاه وأكرمه‏.‏وسار خوارزم شاه إلى نيسابور وأصلح أمرها واستعمل عليها وسار إلى هراة وعسكره على حصارها وقيل للوزير قد وصل خوارزم شاه لما وعدته‏.‏وتحدث في ذلك جماعة من أهل البلد فقبض عليهم ووقعت بذلك هيعة وشعر بها خوارزم شاه فزحف إلى السور وخرب برجين منه ودخل البلد فملكه وقتل الوزير وولي على هراة من قبله وذلك سنة خمس وستمائة ورجع إلى قتال الخطا‏.‏لما ملك خوارزم شاه مدينة هراة وولي عليها خاله أمير ملك وأمره أن يسير إلى بيروزكوه ويقبض على صاحبها غياث الدين محمود بن غياث الدين الغوري وعلى أخيه علي شاه بن خوارزم شاه فسار أمير ملك واستأمن له محمود فأمنه وخرج إليه هو وعلي شاه فقبض عليهما أمير ملك وقتلهما ودخل فيروزكوه سنة خمس وستمائة‏.‏وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه‏.‏

  استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها

ولما استولي خوارزم شاه على عامة خراسان وملك باميان وغيرها أرسل إلى تاج الدين الذر صاحب غزنة في الخطبة والسكة وأن يقرر الصلح على غزنة بذلك فشاور أهل دولته وفيهم قطلوتكين من موالي شهاب الدين وهو النائب عن الذر بغزنة فأشار عليه بطاعته وأعاد الرسول بالإجابة وخطب له وسار عن غزنة متصدياً‏.‏وبعث قطلوتكين إلى خوارزم شاه سراً أن يبعث إليه من يسلمه غزنة فجاء بنفسه وملك غزنة‏.‏وهرب الذر إلى لهاور‏.‏ثم أحضر خوارزم شاه قطلوتكين وقتله بعد أن استصفاه وحصل منه على أموال جمة وولي على غزنة ابنه جلال الدين وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة ورجع إلى بلده‏.‏

  استيلاء الذر على لهاور ومقتله

قباجة من موالي شهاب الدين وله معها ملتان وآمد والدبيل إلى ساحل البحر وله من العسكر خمسة عشر ألف فارس وجاءه الذر في ألف وخمسمائة فقاتله على التعبئة ومعه الفيلة فانهزم الذر أولا وأخذت فيوله‏.‏ثم كانت له الكرة وحمل فيل له على علم قباجة بإغراء الفيال وصدق هو الحملة فانهزم قباجة وعسكره وملك الذر مدينة لهاور ثم سار إلى الهند ليملك مدينة دلهي وغيرها من بلاد المسلمين وكان قطب الدين آيبك صاحبها قد مات ووليها بعده مولاه شمس الدين فسار إليه والتقيا عند مدينة سمابا واقتتلا فانهزم الذر وعسكره وأسر فقتل‏.‏وكان محمود السيرة في ولايته كثير العدل والإحسان إلى الرعية لا سيما التجار والغرباء وكان بملكه انقراض دولة الغورية والبقاء لله وحده‏.‏

  دولة الديلم

الخبر عن دولة الديلم وما كان لهم من الملك والسلطان في ملة الإسلام ودولة بني بويه منهم المتغلبين على الخلفاء العباسيين ببغداد وأولية ذلك ومصائده قد تقدم لنا نسب الديلم في أنساب الأمم وأنهم من نسل ماذاي بن يافث وماذاي معدود في التوراة من ولد يافث‏.‏وذكر ابن سعيد ولا أدري عمن نقله‏:‏ إنهم من ولد سام بن باسل بن آشور بن سام وآشور مذكور في التوراة من ولد سام‏.‏وقال‏:‏ إن الموصل من جرموق بن آشور والفرس والكرد والخزر من إيران بن آشور والنبط والسوريان من نبيط بن آشور‏.‏وهكذا ذكر ابن سعيد والله أعلم‏.‏والجيل عند كافة النسابين إخوانهم على كل قول من هذه الأقوال وهم أهل جيلان جميعاً عصبية واحدة من سائر أحوالهم‏.‏ومواطن هؤلاء الديلم والجيل بجبال طبرستان وجرجان إلى جبال الري وكيلان وحفافي البحيرة المعروفة ببحيرة طبرستان من لدن أيام الفرس وما قبلها ولم يكن لهم ملك فيما قبل الإسلام‏.‏ولما جاء الله بالإسلام وانقرضت دولة الأكاسرة واستفحلت دولة العرب وافتتحوا الأقاليم بالمشرق والمغرب والجنوب والشمال كما مر في الفتوحات وكان من لم يدخل من الأمم في دينهم دان لهم بالجزيه وكان هؤلاء الديلم والجيل على دين المجوسية ولم تفتح أيام الفتوحات وإنما كانوا يؤدون الجزية‏.‏وكان سعيد بن العاص قد صالحهم على مائة ألف في السنة وكانوا يعطونها وربما يمنعونها ولم يأت جرجان بعد سعيد أحد وكانوا يمنعون الطريق من العراق إلى خراسان على قومس‏.‏ولما ولي يزيد بن المهلب خراسان سنة ست وثمانين للهجرة ولم يفتح طبرستان ولا جرجان وكان يزيد بن المهلب يعيره بذلك إذا قصت عليه أخباره في فتوحات بلاد الترك ويقول‏:‏ ليست هذه الفتوح بشيء والشأن في جرجان التي قطعت الطريق وأفسدت قومس ونيسابور فلما ولاه سليمان بن عبد الملك خراسان سنة تسع وتسعين أجمع على غزوها ولم تكن جرجان يومئذ مدينة إنما هي جبال ومحاصر يقوم الرجل على باب منها فيمنعه‏.‏وكانت طبرستان مدينة وصاحبها الأصبهبد‏.‏ثم سار إلى جرجان مولاه فراسة وسار الهادي إليهما وحاصرهما حتى استقاما على الطاعة‏.‏ثم بعث المهدي سنة ثمان وتسعين يحيي الحرشي في أربعين ألفا من العساكر فنزل طبرستان وأذعن الديلم‏.‏ثم لحق بهم أيام الرشيد يحيى بن عبد الله بن حسن المثني فأجاروه وسرح الرشيد الفضل بن يحيى البرمكي لحربهم فسار إليهم سنة خمس وتسعين ومائة فأجابوه إلى التمكين منه على مال شرطوه وعلى أن يجيء بخط الرشيد وشهادة أهل الدولة من كبار الشيعة وغيرهم فبذل لهم المال وكتب الكتاب‏.‏وجاء الفضل بيحيى فحبسه عند أخيه جعفر حسبما هو مذكور في أخباره‏.‏وفي سنة تسع وثمانين كتب الرشيد وهو بالري كتاب الأمان لسروين بن أبي قارن ورندا هرمز بارخشان صاحب الديلم وبعث بالكتاب مع حسن الخادم إلى طبرستان فقدم بارخشان ورندا هرمز وأكرمهما الرشيد وأحسن إليهما وضمن رندا هرمز الطاعة والخراج عن سروين بن أبي قارن‏.‏ثم مات سروين وقام مكانه ابنه شهريار ثم زحف سنة إحدى وثمانين عبد الله بن خرداذبة وهو عامل طبرستان إلى البلاد والسيزر من بلاد الديلم فافتتحها وافتتح سائر بلاد طبرستان وأنزل شهريار بن سروين عنها‏.‏وأشخص مازيار بن قارن ورندا هرمز إلى المأمون وأسر أبا ليلى‏.‏ثم مات شهريار بن سروين سنة عشر وقام مكانه ابنه سابور فحاربه مازيار بن قارن بن رندا هرمز وأسره ثم قتله‏.‏ثم انتقض مازيار على المعتصم وحمل الديلم وأهل تلك الأعمال على بيعته كرهاً وأخذ رهنهم وجبي خراجهم وخرب أسوار آمل وسارية ونقل أهلها إلى الجبال وبني على حدود جرجان سوراً من طميس إلى البحر مسافة ثلاثة أميال وحصنه بخندق‏.‏وكانت الأكاسرة بنته سداً على طبرستان من الترك‏.‏وقد نقل أهل جرجان إلى نيسابور وأملي له في انتقاضه الأفشين مولي المعتصم وكبير دولته طمعه في ولاية خراسان بما كان يضطغن ابن طاهر صاحب خراسان فدس إليه بذلك كتاباً ورسالة حتى امتعض‏.‏وجهز عبد الله بن طاهر العساكر لحربه مع عمه الحسن ومولاه حيان بن جبلة‏.‏وسرح المعتصم العساكر يردف بعضها بعضاً حتى أحاطوا بجباله من كل ناحية وكان قارن بن شهريار أخو مازيار على سارية فدس إلى قواد ابن طاهر بالرجوع من كل ناحية وكان قارن قد أتى إلى الطاعة والنزول لهم عن سارية على أن يملكوه جبال آبائه وأسجل له ابن طاهر بذلك فقبض على عمه قارن في جماعة من قواد مازيار وبعث بهم فدخل قواد ابن طاهر جبال قارن وملكوا سارية‏.‏ثم استأمن إليهم قوهيار أخو مازيار ووعدهم بالقبض على أخيه على أن يولوه مكانه فأسجل له ابن طاهر بذلك فقبض على أخيه مازيار وبعث به إلى المعتصم ببغداد فصلبه واطلع منه على دسيسة الأفشين مولاه فنكبه وقتله‏.‏ووثب مماليك مازيار بقوهيار فثاروا منه بأخيه وفروا إلى الديلم فاعترضتهم العساكر وأخفوا جميعاً‏.‏ويقال‏:‏ إن الذي كان غدر بمازيار هو ابن عمه كان يضطغن عليه عزله عن بعض جبال طبرستان وكان مولاه ورأيه عن رأيه‏.‏ثم تلاشت الدعوة العباسية بعد المتوكل وتقلص ظلها‏.‏واستبد أهل الأطراف بأعمالهم وظهرت دعاة العلوية في النواحي إلى أن ظهر بطبرستان أيام المستعين الحسن بن زيد الداعي العلوي من الزيدية وقد مر ذكره وكان على خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر وقد ولي على طبرستان عمه سليمان بن عبد الله بن طاهر فكان محمد بن أوس ينوب عنه مستبداً عليه فأساء السيرة وانتقض لذلك بعض عمال أهل الأعمال ودعوا جيرانهم الديلم إلى الإنتقاض‏.‏وكان محمد بن أوس قد دخل بلادهم أيام السلم وأثخن فيها بالقتل والسبي فلما استنجدهم أولئك الثوار لحرب سليمان ونائبه محمد بن أوس نزعوا لإجابتهم واستدعوا الحسن بن زيد من مكانه وبايعوه جميعاً وزحفوا به إلى آمل فملكوها‏.‏ثم ساروا إلى سارية فهزموا عليها سليمان وملكوها‏.‏ثم استولى الحسن الداعي على طبرستان وكانت له ولأخيه بعده الدولة المعروفة كما هو معروف في أخبارهم أقامت قريباً من أربعين سنة ثم انقرضت بقتل محمد بن زيد‏.‏ودخل الديلم الحسن الأطروش من ولد عمر بن زين العابدين وكان زيدي المذهب فنزل فيما وراء السعيد دوى إلى آمل ولبث في الديلم ثلاث عشرة سنة وملكهم يومئذ حسان بن وهشوذان وكان يدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العشر ويدافع عنهم ملكهم ما استطاع فأسلم على يديه منهم خلق كثير وبني لهم المساجد وزحف بهم إلى قزوين فملكها وسالوس من ثغور المسلمين فأطاعوه وملك آمل ودعاهم إلى غزو طبرستان وهي في طاعة ابن سامان فأجابوه وساروا إليها سنة إحدى وثلاثمائة‏.‏وبرز إليها عاملها ابن صعلوك فهزمه الأطروش واستلحم سائر أصحابه ولحق ابن صعلوك بالري ثم سار إلى بغداد‏.‏واستولي الأطروش على طبرستان وأعمالها وقد ذكرنا دولته وأخبارها في دول العلوية وكان استظهاره على أمره بالديلم وقواده في حروبه وولاته على أعماله منهم ثم قتله جيوش السعيد بن سامان سنة أربع وثلاثمائة ودال الأمر بين عقبه قواد الديلم كما هو مذكور في أخبارهم‏.‏

  الخبر عن دولة الديلم وتغلبهم على أعمال الخلفاء بفارس والعراقين

كان للديلم جماعة من القواد بهم استظهر الأطروش وبنوه على أمرهم‏:‏ منهم سرخاب بن وهشوذان أخو حسان وهو معدود في ملوكهم وكان صاحب جيش أبي الحسين بن الأطروش ثم أخوه علي ولاه المقتدر على أصفهان ثم ليلى بن النعمان من ملوكهم أيضاً وكان قائداً للأطروش وولاه بعده صهره الحسن المعروف بالداعي الصغير على جرجان‏.‏ثم ماكان بن كالي وهو ابن عم سرخاب وحسان ابني وهشوذان وولاه أبو الحسين بن الأطروش مدينة أستراباذ وأعمالها‏.‏ثم كان دون هؤلاء جماعة أخرى من القواد فمنهم من أصحاب ماكان بن كالي أسفار بن شيرويه ومرداويج بن زيار بن بادر وأخوه وشمكير ولشكري‏.‏ومن أصحاب مرداويج بنو بويه الملوك الأعاظم ببغداد والعراقين وفارس‏.‏ولما تلاشت دولة العلوية واستفحل هؤلاء القواد أعقابهم في طبرستان وجرجان وكانت خراسان عند تقلص الدولة العباسية على الأطراف قد غلب عليها المار وملكها من يد بني طاهر‏.‏ثم نازعه فيها بنو سامان والداعي العلوي فأصبحت مشاعاً بينهم‏.‏ثم انفرد بها ابن سامان وكل منهم يعطي طاعة معروفة للخلفاء‏.‏ومركز ابن سامان وراء النهر وخراسان في أطراف مملكتهم‏.‏وزاد تقلص الخلافة عما وراءها فتطاول ملوك الديلم هؤلاء قواد الدولة العلوية بطبرستان إلى ممالك البلاد وتجافوا عن أعمال ابن سامان لقوة سورته واستفحال ملكه‏.‏وساروا في الأرض يرومون الملك وانتشروا في النواحي وتغلب كل منهم على ما دفع إليه من البلاد‏.‏وربما تنازعوا بعضها فكانت لهم دون طبرستان وجرجان بلاد الري وظفر بنو بويه منهم بملك فارس والعراقين‏.‏وحجر الخلفاء ببغداد فذهبوا بفضل القديم والحديث وكانت لهم الدولة العظيمة التي باهى الإسلام بها سائر الأمم حسبما نذكر ذلك كله في أخبار دولتهم‏.‏أخبار ليلي بن النعمان ومقتله كان ليلى بن النعمان من قواد الديلم وكان أولاد الأطروش ينعتونه في كتابهم إليه المؤيد لدين الله المنتصر لأولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏وكان كريماً شجاعاً قد ولاه الحسن بن القاسم الداعي الصغير على جرجان بعد الأطروش سنة ثمان وثلاثمائة فسار من جرجان إلى الدامغان وهي في طاعة ابن سامان وعليها مولاه قراتكين فبرزوا إليه وقاتلوه فهزمهم وأثخن فيهم وعاد إلى جرجان فابتني أهل الدامغان حصناً يمتنعون به‏.‏وسار قراتكين إلى ليلى فبرز إليه من جرجان وقاتله على عشرة فراسخ فانهزم قراتكين وأثخن في عسكره وسار إليه فارس مولى قراتكين فأكرمه وزوجه أخته وكثرت أجناده وضاقت أمواله فأغراه أبو حفص القاسم بن حفص بنيسابور وأمره الحسن الداعي بالمسير إليها فسار وملكها آخر ثمان وثلاثمائة وخطب بها للداعي‏.‏وأنفذ السعيد نصر بن سامان عساكره من بخارى مع قواده حمويه بن علي ومحمد بن عبد الله البلغمي وأبو حفص بنيسابور وأبو الحسن صعلوك وسيجور الدواني فقاتلوا ليلى بن النعمان عن طوس وهزموه فلحق بآمل واختفى فيها وجاءه بقراخان وأخرجه من الإختفاء وأنفذ بالخبر إلى حمويه فأمره بقتله وتأمين أصحابه فقتل وحمل رأسه إلى بغداد وذلك في ربيع سنة تسع وثلاثمائة‏.‏وبقي فارس غلام قراتكين بجرجان وكاد قراتكين إلى جرجان فاستأمن إليه مولاه فارس فقتله قراتكين وانصرف عن جرجان‏.‏

  أخبار سرخاب بن وهشوذان ومهلكه

وقيام مكان بن كالي بمكانه كان سرخاب بن وهشوذان الديلمي من قواد الأطروش وبنيه وبايع لأبي الحسن بن الأطروش الناصر بعد مهلك أبيه بطبرستان وأستراباذ وكان صاحب جيشه‏.‏ولما انصرف قراتكين عن جرجان بعد مهلك ليلى بن النعمان سار إليها أبو الحسن بن الأطروش وسرخاب فملكوها وأنفذ السعيد نصر بن سامان سنة عشر سيجور الدواني في أربعة آلاف فارس لقتاله ونزل على فرسخين من جرجان وحاصرها أشهراً ثم برزوا إليه وأكمن لهم سيجور كميناً فتباطأ الكمين وانهزم سيجور واتبعه سرخاب‏.‏ثم خرج الكمين بعد حين وانهزم أبو الحسن إلى أستراباذ وترك جرجان واتبعه سرخاب في الفل بمخلفه ومخلف أصحابه ورجع سيجور إلى جرجان فملكها‏.‏ثم مات سرخاب ولحق ابن الأطروش بسارية فأقام بها واستخلف ماكان بن كالي وهو ابن عم سرخاب فسار محمد بن عبيد الله البلغمي وسيجور لحصاره وأقاموا عليه طويلاً‏.‏ثم بذلوا له مالاً على أن يخرج لهم عنها فتقوم لهم بذلك حجة عند ابن سامان ثم يعود ففعل ذلك وخرج إلى سارية ثم نزل إلى الشمانية عن أستراباذ وولوا عليها بقراخان فعاد إليها ماكان وملكها ولحق بقراخان بأصحابه في نيسابور‏.‏

  بداية أسفار بن شيرويه وتغلبه على جرجان ثم طبرستان

كان أسفار هذا من الديلم من أصحاب ماكان بن كالي وكان سيء الخلق صعب العشرة وأخرجه ماكان من عسكره فاتصل ببكر بن محمد بن اليسع في نيسابور وهو عامل عليها من قبل ابن سامان فأكرمه واختصه بالعساكر سنة خمس عشرة لفتح جرجان‏.‏وكان ماكان بن كالي يومئذ بطبرستان وولي على جرجان أبا الحسن بن كالي واستراب بأبي علي بن الأطروش فحبسه بجرجان فجعله عنده في البيت وقام ليلة إليه ليقتله فأظفر الله العلوي به وقتله وتسرب من الدار‏.‏وأرسل من الغد إلى جماعة من القواد فجاؤوا إليه وبايعوه وألبسوه القلنسوة وولي على جيشه علي بن خرشية وكاتبوا أسفار بن شيرويه بذلك وهو في طريقه إليهم واستدعوه فاستأذن بكر بن محمد وسار إليهم وسار علي بن خرشية في القيام بأمر جرجان بدعوة العلوي الذي معهم وضبط ناحيتها‏.‏وسار إليهم ماكان بن كالي في العساكر من طبرستان وقاتلوه فهزموه واتبعوه إلى طبرستان فملكوها من يده وقاموا بها‏.‏ثم هلك أبو علي الأطروش وعلي بن خرشية صاحب الجيش وانفرد أسفار بطبرستان‏.‏وسار بكر بن محمد بن اليسع إلى جرجان فملكها وأقام فيها دعوة نصر بن سامان‏.‏ثم رجع ماكان إلى طبرستان وبها أسفار فحاربه وغلبه وملك طبرستان من يده ولحق أسفار بجرجان فأقام بها عند بكر بن اليسع إلى أن توفي بكر فولاه السعيد على جرجان سنة خمس عشرة‏.‏ثم ملك نصر بن سامان الري بولاية المقتدر وولي عليها محمد بن علي بن صعلوك فطرقه المرض في شعبان سنة ست عشرة وكاتب الحسن الداعي أسفار ملك جرجان بولاية نصر بن سامان فاستدعى مرداويج بن زيار من ملوك الجبل وجعله أمير جيشه وسار إلى طبرستان فملكها‏.‏لما استولي أسفار على طبرستان ومرداويج معه وكان يومئذ على الري وملكها من يد صعلوك كما ذكرناه‏.‏واستولي على قزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ ومعه الحسن بن القاسم الداعي الصغير وهو قائم بدعوته‏.‏فلما خالفه أسفار إلى طبرستان وملكها واستضافها إلى جرجان سار إليه ماكان والداعي والتقوا بسارية واقتتلوا وانهزم ماكان وقتل الداعي وكانت هزيمته بتخاذل الديلم عنه فإن الحسن كان يشتد عليهم في النهي عن المنكر فنكروه واستقدموا خال مرداويج من الجبل واسمه هزر سندان‏.‏وكان مع أحمد الطويل بالدامغان فمكروا بالداعي واستقدامه للإستظهار به وهم يضمرون تقديمه عوض ماكان ونصب أبي الحسن بن الأطروش عوض الحسن الداعي ودس إليه بذلك أحمد الطويل صاحب الدامغان بعد موت صعلوك فحذرهم حتى إذا قدم هزرسندان أدخله مع قواد الديلم إلى قصره بجرجان‏.‏ثم قبض عليهم وقتلهم جميعا وأمر أصحابه بنهب أموالهم فامتعض لذلك سائر الديلم وأقاموا على مضض حتى إذا كان يوم لقائه أسفار خذلوه فقتل‏.‏وفر ماكان واستولي أسفار على ما كان لهم من الري وقزوين وزنجان وأبهر وقم والكرخ واستضافها إلى طبرستان وجرجان وأقام فيها دعوة السعيد بن سامان‏.‏ونزل سارية واستعمل على الري هارون بن بهرام صاحب جناح وكان يخطب فيها للأبي جعفر العلوي فاستدعاه إليه وزوجه من آمل‏.‏وجاء أبو جعفر لوليمته مع جماعة من العلويين فكبسهم أسفار وبعث بهم إلى بخارى فحبسهم بها إلى أن خلصوا مع يحيى أخي السعيد وكانوا في فتية حسبما ذكرناه‏.‏ولما فرع أسفار من الري تطاول إلى قلعة الموت ليحضن بها عياله وذخيرته وكانت لسياه جشم بن مالك الديلمي ومعناه الأسود العين فاستقدمه أسفار وولاه قزوين وسأله في ذلك فأجابه فنقل عياله إليها وسرب الرجال إليهم لخدمتهم حتى كملوا مائة‏.‏ثم استدعاه فقبض عليه وثار أولئك بالقلعة فملكوها وكان في طريقه إلى الري استأمن إليه صاحب جبلي نهاوند وقم ابن أمير كان فملكها ومر بسمنان فامتنع منه صاحبها محمد بن جعفر وبعث إليه من الري بعض أصحابه فاستأمن إليه وخدعه حتى قتله وتدلى من ظهر القلعة‏.‏ثم استفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد بن سامان وأراد أن يتتوج ويجلس على سرير الذهب واعتزم على حرب ابن سامان والخليفة فبعث المقتدر العساكر إلى قزوين مع هارون ابن غريب الحال فقاتله أسفار وهزمه‏.‏ثم سار ابن سامان إلى نيسابر لحربه فأشار على أسفار وزيره مطرف بن محمد الجرجاني بمسالمته وطاعته وبذل الأموال له فقبل إشارته وبعث بذلك إلى ابن سامان‏.‏وتلطف أصحابه في رجوعه إلى ذلك فرجع وشرط عليه الخطبة والطاعة فقبل وانتظم الحال بينهما ورجع إلى السطوه بأهل الري‏.‏ولما كانوا عابوا عليه عسكر القتال ففرض عليهم الأموال وعسف بهم وخص أهل قزوين بالنهب لما تولوا من ذلك وسلط عليهم الديلم فضاقت بهم الأرض‏.‏